
مقال | أحمد يمّين
كلَّما تبادرت المدرسة إلى الذِّهن، ارتقى الفكر إلى مفهوم البيت الثّاني. ولعلَّ ذلك يعود إلى وجهة نظرٍ تقوم على عوامل نفسيَّةٍ وجسديَّةٍ واجتماعيَّةٍ وفكريَّةٍ رسَّخت هذه الفكرة. وبطبيعة الحال، فالبيت ملجأ الآمال والطُّموحات ومستقرُّ الرَّغبات والحاجات وحصن القيم المنيع. فما القاسم المشترك بين البيتين؟ وما الآليَّة الفاعلة لتنشئةٍ آمنةٍ في ملجأٍ آمن؟ وإلى أيِّ مدًى يصلح التَّعبير للمعبَّر عنه؟
هو تعبيرٌ قديمٌ أجمعت عليه ثقافاتٌ مختلفةٌ، ولا بدع في النَّظر إلى المدرسة أبعد من مجرَّد مركزٍ تدريسيٍّ لتلقّي العلوم وتحصيل الشَّهادات. فالمدرسة بوصفها الوسيط الأطول احتضانًا للفرد في عمليَّة التَّنشئة، تتشارك مع الأهل في عمليَّة تكوينه منذ نعومة أظافره. وفيها يكتسب ما يكتسبه حتّى ينطبع في كيانه وذاته وشخصه لا أكاديميًّا فحسب، بل تربويًّا أيضًا. لذلك، نلاحظ الاقتران الدّائم بين التَّربية والتَّعليم.
وبتطوُّر النُّظم التَّربويَّة والتَّعليميَّة والظُّروف والعوامل الدّاخليَّة والخارجيَّة، باتت الرِّعاية حاجةً ملحَّةً لتحقيق الأمان والاطمئنان. لذلك، فإنَّ تدريب الطُّلّاب والمعلِّمين على التَّعامل مع الأزمات ليس فقط مسألةً عمليَّةً، بل هو أيضًا قضيةٌ أخلاقيَّةٌ تعكس مسؤوليَّة المعنيّين تجاه الجيل القادم. ولا نعني بالمعنيّين هنا الإدارة وحدها دون الموظَّفين أو السُّلطات المحلِّيَّة دون الإدارات، إنَّما كلُّ إنسانٍ معنيٌّ حسب مركزه. وبتضافر الجهود تتحقَّق المثل العليا والأهداف المنشودة.
بناءً عليه، كان لا بدَّ من التَّطرُّق إلى بعض الاستراتيجيّات لتعزيز الأمان في المدارس بطريقةٍ ذات بعدٍ أخلاقي. بدايةً، يعدُّ التَّدريب الشّامل والمتكامل خطوةً مهمَّةً لتحقيق الأمان. ولا تحقِّق هذه الخطوة غايتها إلّا بدراسةٍ علميَّةٍ تتوخّى إحصاء المخاطر المحتملة الوقوع في البيئة التَّعليميَّة. وهذه المخاطر أو التَّهديدات إمّا أن تكون داخليَّةً كالحرائق والانهيارات النّاجمة عن ضعف البنية التَّحتيَّة وحالات الكسور والاختناق، وإمّا أن تكون خارجيَّةً كالهجمات والزَّلازل وتغيُّر العوامل المناخيَّة …
يجب أن يشمل التَّدريب المشار إليه توجيه الطُّلّاب والموظَّفين نحو التَّصرُّف السَّليم في حالاتٍ مشابهةٍ: آليَّة الإخلاء، كيفيَّة التَّعامل مع الحرائق، كيفيَّة معالجة حالات الاختناق، استخدام أدوات الإسعافات الأوَّليَّة، الاتِّصال بالجهات المختصَّة، مهارات التَّواصل … كلُّ ما سبق يحتاج إلى تدريبٍ متواصلٍ ومكثَّفٍ بمتابعة الجهات المختصَّة لضمان حسن تطبيق وسير العمليَّة التَّدريبيَّة والتَّوعويَّة. هذا إلى جانب إيلاء مهارات التَّواصل اهتمامًا علميًّا، إذ إنَّ قدرة المعلِّم أو الموظَّف على ضبط نفسه وتوجيه الطُّلّاب بعنايةٍ تمثِّل جانبًا مهمًّا لتجنيبهم حالات الخوف والهلع والفوضى. ولا يخفى أثر ضبط النَّفس في مواقف مماثلةٍ على المسؤولين أنفسهم من جهةٍ، وعلى رعيَّتهم من جهةٍ أخرى. ولبلوغ هذه المرحلة خطواتٌ عمليَّةٌ تطبيقيَّة تتمثَّل بالتَّدريب المستمرِّ الَّذي يمنح المسؤول ثقةً بقدراته على إدارة الأزمة وخبراته في التَّعامل مع الأدوات المتوفِّرة، وعلميَّةٌ تتمثَّل في تهيئة المسؤول عن السَّلامة نفسيًّا للسَّيطرة على انفعالاته وضمان حسن سلوكه تحت الضَّغط. وهذه الخطوات تتكامل على المدى البعيد لتكوين أفرادٍ ذوي ثقافةٍ مشتركةٍ قوامها السَّلامة.
ومن الجدير بالذِّكر أنَّ النّاس أجناسٌ تختلف ردّات فعلهم تجاه الحالات الطّارئة، بين مبادرٍ ومحاذرٍ: فالأوَّل تكون ردَّة فعله عمليَّةً، يسعى إلى القيام بما قد يراه مناسبًا لتخطّي الخطر. والثّاني يتَّسم بالخوف وانعدام القدرة على اتِّخاذ القرارات والقيام بالإجراءات. لذلك، لا بدَّ من تضمين التَّدريب جانبًا توعويًّا حول مسؤوليَّة الطُّلّاب والمعلِّمين تجاه بعضهم. يتضمَّن هذا الجزء التَّدريب على العمل الفريقيِّ، وتقديم الدَّعم للفئات الأضعف، والتَّعامل مع الضُّغوطات النَّفسيَّة وردّات الفعل الهستيريَّة الَّتي قد تصاحب حالات الطَّوارئ، وتمارين التَّنفُّس ومهارات القيادة والتَّنظيم والتَّوجيه. ومن المهمِّ في هذه العمليَّة تعزيز دور الطّالب ليشعر بمسؤوليَّته وأهمِّيته في عمليَّة تحقيق الأمان الشّامل. وهذا بدوره يولِّد لديه اندفاعًا ليبادر في أيٍّ مشروعٍ إنسانيٍّ يستهدف السَّلامة العامَّة.
هذه الخطوات وتلك تتكامل وتتفاعل لخلق بيئةٍ أكثر أمانًا، بيئةٍ محصَّنةٍ لمواجهة الطَّوارئ والتَّعامل مع الكوارث. مع ذلك، فهي تحتاج إلى تقييمٍ وتطويرٍ دائمين يستهدفان تطوُّر البيئة المدرسيَّة تلامذةً وموظَّفين وإمكاناتٍ من جهةٍ، وتطوُّر مظاهر التَّهديدات والمخاطر بأشكالها وأنواعها لضمان جودة التَّعامل وإتقان الأداء تفاديًا لأيِّ تداعياتٍ لا تحمد عقباها. ومن المهمِّ تعزيز التَّعاون المشترك بين البيئة المحلِّيَّة والمدارس والأجهزة الأمنيَّة والطِّبِّيَّة والتَّنسيق الدّائم لضمان الاستجابة الفعّالة في الحالات الطّارئة.
ختامًا، يمكننا القول بأنَّ تدريب الطُّلّاب والمعلِّمين ليس خطوةً إضافيَّةً تتعالى فيها مدرسةٌ على أخرى، أو يُراءى بها المجتمع، إنَّما حاجةٌ ملحَّةٌ هي الأساس لبناء بيئةٍ تعليميَّةٍ آمنةٍ ومستدامةٍ. ومن خلال تعزيز استراتيجيّات الأمان الوقائيِّ وتبنّي أخلاقيّات العمل الجماعيِّ وتعزيز الشُّعور بالمسؤوليَّة، يُرتجى تنشئة جيلٍ واعٍ ومبادرٍ يتَّخذ الميدان الإنسانيَّ والعمل الفريقيَّ منهاجًا تربويًّا لتحقيق الأمان الجماعي والاستقرار الاجتماعيِّ، جيلٍ يكون هو البطل في المواقف.
أحمد يمّين
مدرّس ومدرب
متخصص في استراتيجيات التعليم عن بُعد
حاصل على درجة الماجستير في اللغة العربية وآدابها (البحث واللغويات)